فصل: ذكر عدة حوادث:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.ذكر عدة حوادث:

حج بالناس هذه السنة الوليد بن عتبة.
وفيها ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور.
وفيها توفي عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، وله صحبة. ومسلمة بن مخلد الأنصاري، وكان عمره لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، عشر سنين. وتوفي بمصر مسروق بن الأجدع، وقيل توفي سنة ثلاث وستين.
مخلد بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وفتح اللام وتشديدها. ثم دخلت:

.سنة ثلاث وستين:

.ذكر وقعة الحرة:

كان أول وقعة الحرة ما تقدم من خلع يزيد، فلما كان هذه السنة أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد وحصروا بني أمية بعد بيعتهم عبد الله بن حنظلة، فاجتمع بنو أمية ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به، فقدم الرسول إليه وهو جالس على كرسي وقد وضع قدميه في طشت فيه ماء لنقرس كان بهما، فلما قرأ الكتاب تمثل:
لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي ** فبدلت قومي غلظةً بليان

ثم قال: أما يكون بنو أمية ألف رجل؟ فقال الرسول: بلى والله وأكثر. قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار! فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب وأمره أن يسير إليهم في الناس، فقال: قد كنت ضبطت لك الأمور والبلاد، فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهرق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك.
وبعث إلى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة ابن الزبير بمكة، فقال: والله لا جمعتهما للفاسق، قتل ابن رسول الله وغزو الكعبة. ثم أرسل إليه يعتذر.
فبعث إلى مسلم بن عقبة المري، وهو الذي سمي مسرفاً، وهو شيخ كبير مريض، فأخبره الخبر، فقال: أما يكون بنو أمية ألف رجل؟ فقال الرسول: بلى. قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار! ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا فإنهم الأذلاء، دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم ويتبين لك من يقاتل على طاعتك ومن يستسلم. قال: ويحك! إنه لا خير في العيش بعدهم، فاخرج بالناس.
وقيل: إن معاوية قال ليزيد: إن لك من أهل المدينة يوماً، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته. فلما خلع أهل المدينة أمر مسلماً بالمسير إليهم، فنادى في الناس بالتجهز إلى الحجاز وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار، فانتدب لذلك اثنا عشر ألفاً، وخرج يزيد يعرضهم وهو متقلد سيفاً متنكب قوساً عربية، وهو يقول:
أبلغ أبا بكرٍ إذا الليل سرى ** وهبط القوم على وادي القرى

أجمع سكران من القوم ترى ** أم جمع يقظان نفى عنه الكرى

يا عجباً من ملحدٍ يا عجباً ** مخادعٍ بالدين يعفو بالعرى

وسار الجيش وعليهم مسلم، فقال له يزيد: إن حدث بك حدثٌ فاستخلف الحصين بن نمير السكوني، وقال له: ادع القوم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فانهبها ثلاثاً، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيراً، فإنه لم يدخل مع الناس، وإنه قد أتاني كتابه.
وقد كان مروان بن الحكم كلم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية في أن يغيب أهله عنده، فلم يفعل، فكلم علي بن الحسين، فقال: إن لي حرماً وحرمي تكون مع حرمك. فقال: أفعل، فبعث بامرأته، وهي عائشة ابنة عثمان بن عفان، وحرمه إلى علي بن الحسين، فخرج علي بحرمه وحرم مروان إلى ينبع، وقيل: بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي إلى الطائف.
ولما سمع عبد الملك بن مروان أن يزيد قد سير الجنود إلى المدينة قال: ليت السماء وقعت على الأرض، إعظاماً لذلك.
ثم إنه ابتلي بعد ذلك بأن وجه الحجاج فحصر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق وقتل ابن الزبير. وأما مسلم فإنه أقبل بالجيش فبلغ أهل المدينة خبرهم، فاشتد حصارهم لبني أمية بدار مروان، وقالوا: والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه أن لا تبغونا غائلةً، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدواً، فنكف عنكم ونخرجكم عنا. فعاهدوهم على ذلك فأخرجوهم من المدينة.
وكان أهل المدينة قد جعلوا في كل منهل بينهم وبين الشام زقاً من قطران وعور، فأرسل الله السماء عليهم فلم يستقوا بدلوٍ حتى وردوا المدينة.
فلما أخرج أهل المدينة بني أمية ساروا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى فدعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له: خبرني ما وراءك وأشر علي. فقال: لا أستطيع أن أخبرك، قد أخذ علينا العهود والمواثيق أن لا ندل على عورة ولا نظاهر عدواً. فانتهره وقال: والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، وايم الله لا أقيلها قرشياً بعدك! فخرج إلى أصحابه فأخبرهم خبره، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك: ادخل قبلي لعله يجترىء بك عني. فدخل عبد الملك فقال: هات ما عندك. فقال: نعم، أرى أن تسير بمن معك، فإذا انتهيت إلى ذي نخلة نزلت فاستظل الناس في ظله فأكلوا من صقره، فإذا أصبحت من الغد مضيت وتركت المدينة ذات اليسار ثم درت بها حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقاً ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم ويصيبهم أذاها ويرون من ائتلاق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم ما داموا مغربين، ثم قاتلهم واستعن الله عليهم.
فقال له مسلم: لله أبوك أي امرىءٍ ولد! ثم إن مروان دخل عليه فقال له: إيه! فقال: أليس قد دخل عليك عبد الملك. قال: بلى؛ وأي رجل عبد الملك! قل ما كلمت من رجال قريش رجلاً به شبيهاً. فقال مروان: إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني. ثم إنه صار في كل مكان يصنع ما أمر به عبد الملك، فجاءهم من قبل المشرق، ثم دعاهم مسلم فقال: إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل، وإني أكره إراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثاً، فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه وانصرفت عنكم وسرت إلى هذا المحل الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد اعتذرنا إليكم.
فلما مضت الثلاث قال: يا أهل المدينة ما تصنعون، أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب. فقال لهم: لا تفعلوا بل ادخلوا في الطاعة ونجعل جدنا وشوكتنا على أهل هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق من كل أوب- يعني ابن الزبير- فقالوا له: يا أعداء الله لو أردتم أن تجوزوا إليه ما تركناكم، نحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام فتخيفوا أهله وتلحدوا فيه وتستحلوا حرمته! لا والله لا نفعل.
وكان أهل المدينة قد اتخذوا خندقاً وعليه جمع منهم، وكان عليه عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف، وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر، وهم قريش في جانب المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي، وهو من الصحابة، على ربع آخر، وهم المهاجرون، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري في أعظم تلك الأرباع، وهم الأنصار.
وصمد مسلم فيمن معه، فأقبل من ناحية الحرة حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، وكان مريضاً، فأمر فوضع له كرسيٌّ بين الصفين وقال: يا أهل الشام قاتلوا عن أميركم وادعوا. فأخذوا لا يقصدون ربعاً من تلك الأرباع إلا هزموه، ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل عليهم ابن الغسيل فيمن معه فكشفهم، فانتهوا إلى مسلم، فنهض في وجوههم بالرجال وصاح بهم، فقاتلوا قتالاً شديداً.
ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى ابن الغسيل فقاتل معه في نحو من عشرين فارساً قتالاً حسناً، ثم قال لابن الغسل: من كان معك فارساً فليأتني فليقف معي، فإذا حملت فليحملوا، فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلماً فأقتله أو أقتل دونه. ففعل ذلك وجمع الخيل إليه، فحمل بهم الفضل على أهل الشام فانكشفوا، فقال لأصحابه: احملوا أخرى جعلت فداكم، فوالله لئن عاينت أميرهم لأقتلنه أو أقتل دونه. إنه ليس بعد الصبر إلا النصر! ثم حمل وحمل أصحابه، فانفرجت خيل الشام عن مسلم بن عقبة ومعه نحو خمسمائة راجل جثاة على الركب مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى الفضل كما هو نحو راية مسلم فضرب رأس صاحبها، فقط المغفر وفلق هامته وخر ميتاً، وقال: خذها مني وأنا ابن عبد المطلب! وظن أنه مسلم، فقال: قتلت طاغية القوم ورب الكعبة! فقال: أخطأت استك الحفرة! وإنما كان ذلك غلاماً رومياً وكان شجاعاً، فأخذ مسلم رايته وحرض أهل الشام وقال: شدوا مع هذه الراية. فمشى برايته وشدت تلك الرجال أمام الراية، فصرع الفضل بن عباس، فقتل وما بينه وبين أطناب مسلم بن عقبة إلا نحو من عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف.
وأقبلت خيل مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل، وهو يحرض أصحابه ويذم أهل المدينة، ويقدم أصحابه إلى ابن الغسيل، فلم يقدم عليهم للرماح التي بأيديهم والسيوف، وكانت تتفرق عنهم، فنادى مسلمٌ الحصين بن نمير وعبد الله بن عضاة الأشعري وأمرهما أن ينزلا في جندهما، ففعلا وتقدما إليهم، فقال ابن الغسيل لأصحابه: إن عدوكم قد أصاب وجه القتال الذي كان ينبغي أن يقاتلكم به، وإني قد ظننت ألا يلبثوا إلا ساعة حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم وإما عليكم، أما إنكم أهل النصرة ودار الهجرة وما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء الذين يقاتلونكم، وإن لكل امرىء منكم ميتة هو ميت بها لا محالة، ووالله ما من ميتة أفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها.
ثم دنا بعضهم من بعض فأخذ أهل الشام يرمونهم بالنبل، فقال ابن الغسيل لأصحابه: علام تستهدفون لهم! من أراد التعجيل إلى الجنة فليلزم هذه الراية. فقام إليه كل مستميت فنهض بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رؤي لأهل هذا القتال، وأخذ ابن الغسيل يقدم بنيه واحداً واحداً حتى قتلوا بين يديه وهو يضرب بسيفه ويقول:
بعداً لمن رام الفساد وطغى

وجانب الحق وآيات الهدى

لا يبعد الرحمن إلا من عصى

ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، فقال: ما أحب أن الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم! وقتل معه عبد الله بن زيد بن عاصم ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: فمر به مروان بن الحكم فقال: رحمك الله! رب سارية قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها. وانهزم الناس، وكان فيمن انهزم محمد بن سعد بن أبي وقاص بعد ما أبلى.
وأباح مسلم المدينة ثلاثاً يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال، فأفزع ذلك من بها من الصحابة. فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف الجبل، فتبعه رجل من أهل الشام، فاقتحم عليه الغار، فانتضى أبو سعيد سيفه يخوف به الشامي، فلم ينصرف عنه، فعاد أبو سعيد وأغمد سيفه وقال: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إلي لأقتلك} المائدة: 28. فقال: من أنت؟ قال: أنا أبو سعيد الخدري. قال: صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال: نعم. فتركه ومضى.
وقيل: إن مسلماً لما نزل بأهل المدينة خرج إليه أهلها بجموع كثيرة وهيئة حسنة، فهابهم أهل الشام وكرهوا أن يقاتلوهم، فلما رآهم مسلم، وكان شديد الوجع، سبهم وذمهم وحرضهم، فقاتلوهم.
فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا تكبيراً من خلفهم في جوف المدينة، وكان سببه أن بني حارثة أدخلوا أهل الشام المدينة فانهزم الناس، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل.
ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم من شاء، فمن امتنع من ذلك قتله، وطلب الأمان ليزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود، ولمحمد بن أبي الجهم بن حذيفة، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأتي بهم بعد الوقعة بيوم، فقال: بايعوا على الشرط.
فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله. فضرب أعناقهما. فقال مروان: سبحان الله! أتقتل رجلين من قريش أتيا بأمان؟ فطعن بخاصرته بالقضيب، فقال: وأنت والله لو قلت بمقالتهما لقتلتك! وجاء معقل بن سنان فجلس مع القوم فدعا بشراب ليسقى، فقال له مسلم: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل. قال: اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: أرويت؟ قال: نعم. قال: والله لا تشرب بعدها شربة إلا في نار جهنم. فقال: أنشدك الله والرحم! فقال له: أنت الذي لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عند يزيد فقلت: سرنا شهراً، ورجعنا شهراً، وأصبحنا صفراً، نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق ابن الفاسق ونبايع لرجل من المهاجرين أو الأنصار! فيم غطفان وأشجم من الخلق والخلافة! إني آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر منه على قتلك إلا فعلت. ثم أمر به فقتل.
وأتي بيزيد بن وهب، فقال له: بايع. قال: أبايعك على الكتاب والسنة. قال: اقتلوه. قال: أنا أبايعك! قال: لا والله، فتكلم فيه مروان لصهر كان بينهما، فأمر بمروان فوجئت عنقه ثم قتل يزيد.
ثم أتى مروان بعلي بن الحسين، فجاء يمشي بين مروان وابنه عبد الملك حتى جلس بينهما عنده، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم، فشرب منه يسيراً ثم ناوله علي بن الحسين، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من شرابنا! فارتعدت كفه ولم يأمنه على نفسه وأمسك القدح، فقال له: أجئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي؟ والله لو كان إليهما أمر لقتلتك! ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك وأخبرني أنك كاتبته، فإن شئت فاشرب. فشرب ثم أجلسه معه على السرير ثم قال له: لعل أهلك فزعوا؟ قال: إي والله. فأمر بدابة فأسرجت له فحمله عليها فرده ولم يلزمه بالبيعة ليزيد على ما شرط على أهل المدينة.
وأحضر علي بن عبد الله بن عباس ليبايع، فقال الحصين بن نمير السكوني: لا يبايع ابن أختنا إلا كبيعة علي بن الحسين، وكانت أم علي بن عبد الله كندية، فقامت كندة مع الحصين، فتركه مسلم، فقال عليٌّ:
أبي العباس قرم بني قصيٍ ** وأخوالي الملوك بنو وليعه

هم منعوا ذماري يوم جاءت ** كتائب مسرفٍ وبنو اللكيعه

أرادوني التي لا عز فيها ** فحالت دونه أيدٍ سريعه

يعني بقوله مسرف مسلم بن عقبة، فإنه سمي بعد وقعة الحرة مسرفاً، وبنو وليعة بطن من كندة، منهم أمه، واللكيعة أم أمه.
وقيل: إن عمرو بن عثمان بن عفان لم يكن فيمن خرج من بني أمية، فأتي به يومئذٍ إلى مسلم فقال: يا أهل الشام تعرفون هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا الخبيث ابن الطيب، هذا عمرو بن عثمان، هيه يا عمرو إذا ظهر أهل المدينة قلت أنا رجل منكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين عثمان. فأمر به فنتفت لحيته، ثم قال: يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل الجعل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمي؟ وفي فمها ما شاها وباها وكانت من دوس. ثم خلى سبيله.
وكانت وقعة الحرة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
قال محمد بن عمارة: قدمت الشام في تجارة فقال لي رجل: من أين أنت؟ فقلت: من المدينة. فقال: خبيثة. فقلت: يسميها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، طيبة وتسميها خبيثة! فقال: إن لي ولها لشأناً، لما خرج الناس إلى وقعة الحرة رأيت في المنام أني قتلت رجلاً اسمه محمد أدخل بقتله النار، فاجتهدت في أني لا أسير معهم فلم يقبل مني، فسرت معهم ولم أقاتل حتى انقضت الوقعة، فمررت برجل من القتلى به رمق فقال: تنح يا كلب! فأنفت من كلامه وقتلته، ثم ذكرت رؤياي فجئت برجل من أهل المدينة يتصفح القتلى، فلما رأى الرجل الذي قتلته قال: إنا لله، لا يدخل قاتل هذا الجنة. قلت: ومن هذا؟ قال: هو محمد بن عمرٍو بن حزم ولد على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسماه محمداً وكناه أبا عبد الملك؛ فأتيت أهله فعرضت عليهم أن يقتلوني فلم يفعلوا، وعرضت عليهم الدية فلم يأخذوا.
وممن قتل بالحرة عبد الله بن عاصم الأنصاري، وليس بصاحب الأذان، ذاك ابن زيد بن ثعلبة. وقتل أيضاً فيها عبيد الله بن عبد الله بن موهب. ووهب بن عبد الله بن زمعة بن الأسود. وعبد الله بن عبد الرحمن بن حاطب. وزبير ابن عبد الرحمن بن عوف. وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

.ذكر عدة حوادث:

وفي هذه السنة توفي الربيع بن خثيم الكوفي الزاهد.
وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان يسمى يومئذٍ العائذ، ويرون الأمر شورى، وأتاه الخبر بوقعة الحرة هلال المحرم مع سعيد مولى المسور بن مخرمة، فجاءه أمر عظيم، فاستعد هو وأصحابه وعرفوا أن مسلمً نازل بهم. ثم دخلت:

.سنة أربع وستين:

.ذكر مسير مسلم لحصار ابن الزبير وموته:

فلما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص بمن معه نحو مكة يريد ابن الزبير ومن معه، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي، وقيل: استخلف عمرو بن مخرمة الأشجعي، فلما انتهى إلى المشلل نزل به الموت، وقيل: مات بثنية هرشى، فلما حضره الموت أحضر الحصين بن النمير وقال له: يابن برذعة الحمار! لو كان الأمر إلي ما وليتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاك. خذ عني أربعاً: أسرع السير، وعجل المناجزة، وعم الأخبار، ولا تمكن قرشياً من أذنك. ثم قال: اللهم إني لم أعمل قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله عملاً أحب إلي من قتلي أهل المدينة ولا أرجى عندي في الآخرة.
فلما مات سار الحصين بالناس فقدم مكة لأربع بقين من المحرم سنة أربع وستين وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير واجتمعوا عليه، ولحق به المنهزمون من أهل المدينة، وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في الناس من الخوارج يمنعون البيت، وخرج ابن الزبير إلى لقاء أهل الشام ومعه أخوه المنذر، فبارز المنذر رجلاً من أهل الشام فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربةً مات منها، ثم حمل أهل الشام عليهم حملةً انكشف منها أصحاب عبد الله، وعثرت بغلة عبد الله فقال: تعساً! ثم نزل فصاح بأصحابه، فأقبل إليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقاتلا حتى قتلا جميعاً، وضاربهم ابن الزبير إلى الليل ثم انصرفوا عنه. هذا في الحصر الأول.
ثم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين يوم السبت رموا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خطارةٌ مثل الفنيق المزبد ** نرمي بها أعواد هذا المسجد

وقيل: إن الكعبة احترقت من نار كان يوقدها أصحاب عبد الله حول الكعبة وأقبلت شرارة هبت بها الريح فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت، والأول أصح، لأن البخاري قد ذكر في صحيحه أن ابن الزبير ترك الكعبة ليراها الناس محترقةً يحرضهم على أهل الشام.
وأقام أهل الشام يحاصرون ابن الزبير حتى بلغهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر.

.ذكر وفاة يزيد بن معاوية:

وفي هذه السنة توفي يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة في قول بعضهم، وقيل: تسع وثلاثين، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وستين، وكان عمره خمساً وثلاثين سنة، وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر، والأول أصح.
وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية.
وكان له من الولد معاوية، وكنيته أبو عبد الرحمن وأبو ليلى، وهو الذي ولي بعده، وخالد ويكنى أبا هاشم، يقال إنه أصاب عمل الكيميا، ولا يصح ذلك لأحد، وأبو سفيان، وأمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، تزوجها بعده مروان بن الحكم؛ وله أيضاً عبد الله بن يزيد، كان أرمى العرب، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر، وهو الأسوار، وعبد الله الأصغر وعمرو وأبو بكر وعتبة وحرب وعبد الرحمن ومحمد لأمهات شتى.

.ذكر بعض سيرته وأخباره:

قال محمد بن عبيد الله بن عمرو العتبي: نظر معاوية ومعه امرأته ابنة قرظة إلى يزدي وأمه ترجله، فلما فرغت منه قبلته، فقالت ابنة قرظة: لعن الله سواد ساقي أمك! فقال معاوية: أما والله لما تفرجت عنه وركاها خير مما تفرجت عنه وركاك! وكان لمعاوية من ابنة قرظة عبد الله، وكان أحمق، فقالت: لا والله ولكنك تؤثر هذا. قال: سوف أبين لك ذلك، فأمر فدعي له عبد الله، فلما حضر قال: أي بني إني أردت أن أعطيك ما أنت أهله ولست بسائل شيئاً إلا أجبتك إليه. فقال: حاجتي أن تشتري لي كلباً فارهاً وحماراً. فقال: أي بني، أنت حمار وأشتري لك حماراً! قم فاخرج. ثم أحضر يزيد وقال له مثل قوله لأخيه، فخر ساجداً ثم قال حين رفع رأسه: الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة وأراه في هذا الرأي، حاجتي أن تعتقني من النار لأن من ولي أمر الأمة ثلاثة أيام أعتقه الله من النار، فتعقد لي العهد بعدك، وتوليني العام الصائفة، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتوليني الموسم، وتزيد لأهل الشام كل رجل عشرة دنانير، وتفرض لأيتام بني جمح وبني سهم وبني عدي لأنهم حلفائي. فقال معاوية: قد فعلت، وقبل وجهه. فقال لامرأته ابنة قرظة: كيف رأيت؟ قالت: أوصه به يا أمير المؤمنين. ففعل.
وقال عمر بن سبينة: حج يزيد في حياة أبيه، فلما بلغ المدينة جلس على شراب له، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين، فقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال: لله در طيبك ما أطيبه! فما هذا؟ قال: هو طيب يصنع بالشام، ثم دعا بقدح فشربه، ثم دعا بآخر فقال: اسق أبا عبد الله. فقال له الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني، فقال يزيد:
ألا يا صاح للعجب ** دعوتك ولم تجب

إلى الفتيات والشهوا ** ت والصهباء والطرب

باطية مكللة ** عليها سادة العرب

وفيهن التي تبلت ** فؤادك ثم لم تثب

فنهض الحسين وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت.
وقال شقيق ابن سلمة: لما قتل الحسين ثار عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس إلى بيعته، فامتنع وظن يزيد أن امتناعه تمسك منه ببيعته، فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته وأنك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، فجزاك الله من ذي رحم خير ما يجزي الواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم، فما أنس من الأشياء فلست بناسٍ برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل، فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه فأعلمهم بحاله فإنهم منك أسمع الناس ولك أطوع منهم للمحل.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فقد جاءني كتابك، فأما تركي بيعة ابن الزبير فوالله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك ولكن الله بالذي أنوي عليمٌ، وزعمت أنك لست بناسٍ بري، فاحبس أيها الإنسان برك عني فإني حابسٌ عنك بري، وسألت أن أحبب الناس إليك وأبغضهم وأخذلهم لابن الزبير، فلا ولا سرور ولا كرامة، كيف وقد قتلت حسيناً وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء، مسلوبين بالعراء، مقتولين بالظماء؛ لا مكفنين ولا موسدين، تسفي عليهم الرياح، وينشى بهم عرج مجلسك الذي جلست، فما أنس من الأشياء فلست بناسٍ اطرادك حسيناً من حرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حرم الله، وتسييرك الخيول إليه، فما زلت بذلك حتى أشخصته إلى العراق، فخرج خائفاً يترقب، فنزلت به خيلك عداوةً منك لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته وتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك والكفر، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري ولا يعجبك أن ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يوماً، والسلام.
قال الشريف أبو يعلى حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر العلوي، وقد جرى عنده ذكر يزيد: أنا لا أكفر يزيد لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إني سألت الله أن لا يسلط على بني أحداً من غيرهم، فأعطاني ذلك.